الزمن اللازم للقراءة: 20 دقيقة
المخاطر التي يتعرض لها المهاجرين قبل الوصول إلى البحر المتوسط

في الفخ الليبي

مقالة خاصة
احدى الغرف التي كان المهاجرين يقيمون فيها
المهاجرون تركوا بصمتهم هنا المصور: ميركو كايلبرت

في ليبيا، يصطدم المهاجرون الأفارقة بالجهاديين وكره الأجانب والجريمة المنظمة. مقابلات مع صناع عمليات العبور ومهربي الأشخاص بين الصحراء والبحر الأبيض المتوسط.

منذ أربع سنوات، يقف عيسى حسن مع سيارة الأجرة الخاصة به عند تقاطع طرق مغبرّة في ضواحي سبها. لقد أصبحت منطقة الضواحي المهجورة الآن معروفة باسم ويست جيت وال، فخلف السوبر ماركت الكبير الذي تصطف أمامه سيارات الأجرة، تبدأ أراضي العدو.

 

فقط عدد قليل من زبائن عيسى حسن البالغ عمره 28 سنة يفهمون لم يعمل رجل ميليشيا مثله،، كسائق سيارة أجرة بمثابة عمل إضافي. فهم معتادون على أشخاص بالبدلة العسكرية يكسبون المال من جميع أنواع التهريب. ويشهد العدد الكبير من الشظايا في سيارة حسن على الأوضاع في إقليم فزان الصحراوي. لم يسمع الكثير من الأخبار عن العالم الخارجي من ذلك الموقع منذ بدء الثورة الليبية عام 2011. ومع ذلك من هنا، في واحات الصحراء الليبية، قد يكون الخطر الحقيقي الذي يهدد أوروبا قابعاً ويستعد للتطور.

 

احدى دوريات مكافحة المهربين
في دورية في الصحراء الكبرى المصور: ميركو كايلبرت لمجلة زينيت

 

يقول عيسى حسن "ما زلت أنتظر ومنذ خمس سنوات أن يتم دمج وحدتي، أم الأرانب، في الجيش حتى نتمكن من متابعة مكافحة المهربين مجدداً. ولكن الآن اعمل بدون أجر، لذا أنا مضطر لقيادة سيارة أجرة كعمل إضافي". وعلى الرغم من وجود طريق معبد يؤدي إلى واحة مرزق التي تبعد 100 كيلومتراً، يطلب منه ركابه عادةً الذهاب في تحويلة على طرق ترابية وعرة، بعيداً عن نقاط تفتيش ميليشيا أولاد سليمان في سبها.

 

الانقسامات القبلية

 

ينتمي عيسى وركابه إلى مجموعة التبو العرقية، وهم، مثلهم مثل الطوارق، السكان الأصليين للصحراء، وينظر إليهم العديد من الليبيين العرب نظرة دونية. وينتمي العدد القليل من ضباط الشرطة وغيرهم من الأشخاص بالبدلة العسكرية المنتشرين على الطرق الرئيسية للمدينة البالغ عددها 300،000 نسمة، إلى قبيلة أولاد سليمان العربية. وهم يظهرون العدائية ليس فقط تجاه التبو، ولكن أيضاً تجاه قبيلة الدكتاتور السابق معمر القذافي، على الرغم من أنهم كانوا لفترة طويلة من أبرز حلفاء نظامه في المحافظة الصحراوية. ومنذ قيام الثورة، أصبح أولاد سليمان وحلفائهم من المدينة الساحلية مصراتة أصحاب القرار. من جانبها، تحالفت قبيلة التبو مع الجنرال خليفة حفتر، الذي تقاتل قواته "الدولة الإسلامية" وحلفائها في ميناء مدينة بنغازي، التي تبعد حوالى الألف كيلو متر شرقاً.

 

ويشتكي عيسى من أن "قتالنا ضد القذافي إلى جانب المصراطيين لم يعد له أي أهمية في المعركة من أجل حقول النفط". وفيما نتحدث، يسأل مراراً وتكراراً عن تكلفة العيش في ألمانيا. "لم تؤدي الثورة سوى إلى تسليم السلطة من مدينة إلى مدينة ومن قبيلة إلى قبيلة. ففي طرابلس، حل الاسلاميون محل معارضي الاسلاميين، وفي بنغازي سيطر الجيش"، يقول عيسى مرتبكاً.

 

ويضيف أنه في شهر شباط/ فبراير 2011، وفيما كان لا يزال طالباً، نزل إلى الشارع مع بعض أصدقائه من المدرسة للاحتجاج باسم الدولة الدستورية. في عام 2013، وبعد مجلسي نواب مختلفين وأكثر من 90 انتخابات محلية، بدا وكأن ليبيا على الطريق الصحيح. "نحن الثوار ربحنا المعركة ضد القذافي ليس بسبب قدواتنا، ولكن بسبب تنافستنا المحلية مع مدن أخرى"، كما يدعي. "إن النظام القانوني الجديد هو بسيط: عندما آتي إلى سبها، يطلقون النار علي. عندما يأتي عضو من أولاد سليمان إلينا، نطلق النار عليهم".

 

وقد استفاد الجهاديون من وقوفهم على الحياد. فخلال حالة الارتباك السائدة في مرحلة ما بعد الثورة، انتشروا أولاً تحت اسم أنصار الشريعة في ليبيا وهم الآن يحكمون كفرع شمال أفريقي للدولة الإسلامية. ولطالما كان لدى الميليشيات التي تربطها علاقات وثيقة بالدولة الإسلامية معسكرات تدريب سرية في سبها وأوباري، ويوماً ما سوف يعبرون البحر المتوسط ​​– وهذا شبه مؤكد بالنسبة للتبو. وعلى بعد كيلومترين من سيارات الأجرة، في مقاطعة النواحي الأربعة، تجند الميليشيات التي يديرها المحارب القديم في تنظيم القاعدة عبد خليفة، أعضاء من اللاجئين القادمين من الصحراء.

 

ميليشيات التبو بدوريات في الصحراء الكبرى
ميليشيات التبو بدوريات في الصحراء الكبرى المصور: ميركو كايلبرت لمجلة زينيت

 

كل يوم ينطلق العديد من المراكب المهترئة من بين الشاليهات الممتدة على شاطئ طرابلس ويشكو شهف الدين بركة الغاضب وهو يخرج من سيارة جيب في صف سيارات الأجرة من أنه يمكن للطوارق والتبو والقبائل الأخرى أن تحل بسرعة المشكلة الأمنية في محافظة فزان إذا عملت معاً. "نحن نعرف طريقي المهربين. بدعم من طرابلس وبروكسل يمكننا السيطرة مجدداً على الحدود، كما كان الحال خلال حكم القذافي." قائد "أم الأرانب" التي تضم 1,000 من الرجال الأقوياء كان قد عاد لتوه من أوباري. كان هناك معركة دائرة بين محاربين من التبو والطوارق -بالكاد يبلغون السن القانوني- في الواحة لأكثر من عشرة أشهر. لم يتمكن أي من الطرفين من تحقيق مكاسب إقليمية. كما أن السبب وراء تعكير صفو السلام الذي كان سائداً منذ قرون بين المجموعات العرقية لا يزال غير واضح، حتى لأطراف النزاع.

 

في الواقع، لقد نشبت الحرب الساكنة في المقام الأول على حقل الفيل النفطي، أحد أكبر الحقول النفطية في أفريقيا، الذي لم يعد يستخراج النفط منه، ولكن في ليبيا تسير السيطرة على هذه الموارد جنباً إلى جنب مع النفوذ السياسي.

 

قبل الحرب الأهلية الثانية في ربيع عام 2014، كان عدد من ثوار أم الأرانب يكسبون 600 دينار شهرياً (حوالي 370 يورو)، تدفع بشكل غير منتظم من قبل وزارة النفط، مقابل عملهم كحراس في معسكر للجيش. ولكن بعد ذلك، انشق الإسلاميون عن جماعة الإخوان المسلمين واستولوا على السلطة في طرابلس. ولأن التبو قاتلوا لصالح الجنرال حفار، لم تأتي الدفعات من العاصمة، واضطروا لدفع ثمن الغذاء والذخائر وقطع الغيار لشاحنات البيك اب الخاصة بهم من نفقتهم الخاصة.

 

عدد وفير من العمال مقابل عدد محدود من فرص العمل

 

في ضوء الحرب الأهلية والانخفاض في أسعار النفط، يُعتبر “تهريب الأشخاص “الوظيفة الأقل خطراً في البلاد في المستقبل المنظور. وبالكاد ينطوي نقل النفط والبترول إلى تونس أو الجزائر على أي خطر، وذلك بفضل انتشار الفساد في صفوف المسؤولين عن الحدود. في ليبيا، تبلغ كلفة ليتر من البنزين أربعة سنتات، بينما في تونس والجزائر تصل كلفته إلى 75 سنتا. كل يوم، تعبر المئات من الشاحنات، المحملة بالأسلحة أو النفط أو الأشخاص، الحدود المفتوحة فعلياً.

 

تحت ظل الأشجار المتراصفة على طول الشارع الرئيسي في سبها، في أقصى جنوب ليبيا، الآلاف من العمال المياومين من ذوي البشرة الداكنة يجلسون القرفصاء بانتظار العمل. بسبب وفرة العمال، انخفض الدخل إلى عشر دنانير (حوالي 3 يورو) في اليوم. وانخفض أيضاً سعر الركوب في قافلة من النيجر إلى جنوب ليبيا. تبلغ كلفة الركوب في صندوق شاحنة بيك اب 150 يورو. ويقوم ما يصل إلى ألف شخص بالرحلة من أغاديس في النيجر كل يوم اثنين، وابتداءً من ظهر يوم الأربعاء تبدأ سيارات الجيب الأولى بالوصول إلى واحات ليبيا. وينشر المهربون الإعلانات عن خدماتهم في عشرات الصفحات على الفيسبوك، ولكن غالباً ما تنتهي الرحلات في أماكن مجهولة. ما أن تصل أنباء عن قتال في سبها، يتم إنزال اللاجئين في الصحراء، بعيداً عن مدن الواحات.

 

ووسط الفوضى العارمة، تحاول كتيبة "أم الأرانب" الحفاظ على القليل من النظام في المنطقة الخاضعة لسيطرتهم. قبل ثلاث سنوات، وضع شهف الدين بركة وعيسى حسان مع شيوخ في القطرون ومرزق، قانون للعقوبات. تصادر ميليشيا التبو مركبات المهربين وتفؤض عليهم غرامة بقيمة 4000 دينار (حوالي 2,500 يورو)، غير أنهم يكونون صداقات ومعارف ممن قرروا المشاركة بهذه التجارة المربحة، يقول شهف الدين بركة متحسراً.

 

حتى العام الماضي، كان رجال ميليشيا البركة ينقلون المهاجرين الأفارقة الذين يتم إنزالهم في الصحراء - بعد تقسيمهم بشكل حسب جنسيتهم - إلى سجن مؤقت حتى تقوم دائرة الهجرة الليبية بإعادتهم الى النيجر. الآن، تلك الأيام قد ولت. كان "محمد الماني" من دائرة الهجرة في مرزق يقوم بتنظيم نقل اللاجئين إلى النيجر. لا يزال يذهب إلى مكتبه، لكنه لم يعد لديه ما يكفي من المال حتى للمكالمات الهاتفية، لأن "البنوك قد أغلقت منذ تشرين الأول/ أكتوبر". وتظهر الرسومات والكتابات على جدران سجن ميليشيا أم الأرانب المحاولات السابقة لوقف اللاجئين ؛ صور لرحلات محفوفة بالمخاطر من قبل شبان يبحثون عن مجرد حد أدنى من الرخاء. ولا ينجو الجميع من هذه المحنة: مراراً وتكراراً يعثر "زعماء الصحراء" على جثث في الصحراء.

 

يطالب الاتحاد الأوروبي بأن نوقف تدفق المهاجرين، ولكنه لا يتخذ أي إجراءات بشأن المجرمين لديه لقد سئم عيسى حسن من تأمين حدود دولة لم تعد موجودة. ويرغب في الزواج العام المقبل. "لم أجمع ما يكفي من المال بعد، ما زلت بحاجة لكسب المزيد." في إجازته، يتنقل ذهاباً وإياباً بين سبها والقطرون. يحمل كلاشينكوف محشو في جزمته، كما هي العادة السائدة في فزان. عيسى مهتم بابنة عائلة من الجوار ويتبادل الرسائل النصية معها خلال دوام الليل. ويكلف الزواج في ليبيا ما لا يقل عن 40,000 دينار (15,000 يورو) والقواعد صارمة، كما هو الحال مع الحياة الزوجية بشكل عام. فالجميع جزء من شبكة أسرة واسعة. خلال الثورة، ناضل الشباب الليبيون أيضاً ضد هذه الالتزامات العائلية.

 

 نقطة تفتيش مهجورة في ليبيا
نقطة تفتيش مهجورة في ليبيا المصور: ميركو كايلبرت لمجلة زينيت

 

خلال رحلاته في سيارة الأجرة خاصته إلى سبها، يتعين على عيسى أن يتوقف عند عدد من نقاط التفتيش، حيث يغض الحراس بكل سرور النظر عنه لكسب القليل من المال الاضافي. يدفع كل لاجئ غير شرعي 50 دينار (15 يورو). " يرغب الأفارقة الذين يبحثون عن عمل في الذهاب إلى سبها ومن هناك يتوجهون إلى طرابلس. إن نقاط التفتيش مربحة، ولكن أقسمنا بعدم الاستفادة من مصير المهاجرين. فهذا ضد الإسلام وسيشكل خيانة لأصدقائنا، أو إخواني - لجميع أولئك الذين ماتوا من أجل حريتنا ".

 

مع 50،000 نسمة، تُعد مرزق من بين إحدى أكبر المدن في فزان. وكانت التوترات العرقية موجودة بالفعل في عهد القذافي؛ ولكن الآن، التبو هم أصحاب القرار. قبل عام 2011، كان إبراهيم صالح قائد شرطة المدينة. مثله مثل كل التبو، ما لبث أن انضم إلى الثورة - على عكس المجموعات العرقية الأخرى، التي رفعت العلم الجديد فقط بعد وفاة القذافي، يضيف عيسى. ويدعو صالح إلى تأمين المزيد من المساعدة من طرابلس، وإعادة تقييم ودمج الثقافة القبلية. "في الصحراء، هناك في الواقع قواعد اجتماعية ثابتة وضعتها القبائل والأسر الممتدة،" يفسر صالح وهو منحني على خريطة ليبيا. "هناك خطر بأن يتصاعد كل حادث سيارة إلى نزاع بين أحياء المدينة بأكملها أو القبائل. تقليدياً، يحلّ الشيوخ الكثير من النزاعات بالوسائل السلمية، من خلال المفاوضات. ويلتزم الجميع بقراراتهم".

 

يعمل مهاجران من غانا في المبنى حيث يقطن صالح. هما سعيدان لأنهما تمكنا من الوصول إلى الجانب الأفضل من الصحراء، يقول محمد عجرم. وفي ما يتعلق بالميليشيات الإسلامية التي يُقال أنها تدير معسكرات تدريب على الحدود الجزائرية، يفضل إبراهيم صالح عدم التعليق. "إنها معضلة. قد يكون من أفضل أن تسأل بعض الأشخاص في طرابلس حول هذا الموضوع، فهم يعرفون"، كما يقول.

 

شهف الدين بركة أكثر وضوحاً في هذا الصدد، ويحذر من أن "داعش ينتشر من خلال القبائل التي تم استبعادها من الثورة". "والآن تأتي جماعة بوكو حرام من نيجيريا" يضيف شهف الدين وهو يهز رأسه. لا يوجد سوى طريقين مفتوحين للمهربين، طريق من خلال مادما، والآخر من خلال حسين. "من لديه مصلحة في منع إغلاق طرق التهريب من النيجر؟"

 

القره بوللي - بؤرة دراما اللاجئين

 

القره بوللي. حيث حصلت هناك في شهر نيسان /ابريل 2015 أكبر كارثة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية، بغ عدد ضحاياها ال 500 شخص، أصبحت منطقة الشاطئ في الجزء الشرقي من منطقة تاجوراء رمزاً لدراما اللاجئين في منطقة البحر الأبيض المتوسط. تتكرر الكوارث هنا كل ربيع منذ الثورة ضد معمر القذافي. كل يوم، تنطلق سفن غير صالحة للإبحار من بين الشاليهات المتناثرة على طول الشاطئ، والتي بناها سكان العاصمة في السنوات السابقة.

 

فنسنت كراوي مهاجر من أغاديز يعمل بستانياً في منتجع للعطل العائلية، أصبح معظمه فارغاً منذ الحرب الأهلية الليبية الثانية. "أحيانا تتناثر الجثث على الشاطئ. تغرق بعض القوارب على بعد بضع مئات من الأمتار. في عطلة نهاية الأسبوع، غالباً ما لا أجرؤ على النظر من نافذتي في الصباح ". كما هو الحال مع معظم العمال من الدول المجاورة، لم يفكر كراوي، وهو من النيجر، أبداً في العبور هو. وينحني الشاب البالغ 20 عاماً على مدمته. ويؤكد لي قائلاً، "السوريون الذين يأتون إلى القره بوللي ليس لديهم أي خيار، ولكن الكثير من الافارقة يخطئون ببساطة في الحكم على مخاطر الرحلة إلى أوروبا".

 

زورق قطر يدخل ميناء مصراتة
زورق قطر يدخل ميناء مصراتة المصور: ميركو كايلبرت لمجلة زينيت

 

خلف الجدران العالية للمساكن في المنتجع، يمكن سماع أصوات. ولكن ليست بالّغة العربية: تهيمن اللغة الإنجليزية والفرنسية، بلهجة غرب أفريقية. يخبئ المهربون "زبائنهم" لعدة أيام، وبعد ذلك يجب أن يكونوا جاهزين للمغادرة في وقت قصير جداً: لا تكاد تمر ساعتان تمر بين الأمر بالخروج والانطلاق. منذ مطلع عام 2016، أتى أكثر من 20,000 شخص من جنوب ليبيا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط - الرقم الدقيق غير معروف. ويقدّر الناشطون من المنظمة غير الحكومية الوطنية تجمع فزان في سبها أنه قبل موجة الحر في بداية شهر أيار/مايو عام 2016، كان هناك تدفق لأكثر من 3,000 شخص في الأسبوع إلى المدن الساحلية والصحراوية في ليبيا.

 

هناك اقتصاد مقايضة في جميع أنواع السلع في المياه الدولية ؛ المهاجرين ما هم سوى جزء صغير من البضائع أولئك الذين يتمكنون من الوصول إلى ميناء مدينة طرابلس يستأجرون مساكن مع مواطنيهم في تاجوراء أو حائل الأندلس أو المناطق النائية الأخرى، ويحاولون كسب 1,000 يورو للعبور إلى أوروبا عن طريق العمل في وظائف غريبة. ابتداءً من الساعة الخامسة صباحاً، عند التقاطعات الرئيسية في العاصمة الليبية، يبدأ العمال المصريون والسودانيون والغانيون بعرض خدماتهم: الأدوات التي يحملونها تدل على مهاراتهم كفراشي الطلاء أو الكابلات الكهربائية. في المتوسط، إن كسب المال للعبور يستغرق ستة أشهر، ولكن في نهاية المطاف الكثير منهم يستغرق أكثر من عامين.

 

في الربيع، عندما تستقر مياه البحر المتوسط، يبدأ موسم الذروة للمهربين. في الليالي الهادئة، تغادر حتى أربع سفن من الخط الساحلي بطول 30 كم بين القره بوللي وطرابلس وحدها. ويمكن رؤية زوارق دورية منظمة حلف شمال الأطلسي في الأفق؛ لقد حلت محل لامبيدوسا كهدف للقوارب ". ويحدق الضباط البحريين الليبيين في موانئ مصراتة وطرابلس في القوارب بلا حول ولا قوة.

 

"في كل مرة نشرع فيها في زوارق الدوريات، نرى الأضواء الصغيرة للقوارب"، يقول عبد الرحيم نويجي من البحرية الليبية، الذي يبدو؛ في بدلته البيضاء الناصعة؛ في غير محله بين زورقين أكلهما الصدأ. ويأسف عبد الرحيم لنوعية معدات وتدريب بحارته - فرقة ملونة من الثوار وأفراد القوات البحرية الليبية كانت سفنهم مستهدفة من قبل حلف الناتو في عام 2011.

 

طرابلس تحت سيطرة الميليشيا

 

إن حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها رئيس الوزراء فايز السراج، المتولي منصبه منذ كانون الاول / ديسمبر 2015، نقلت أيضاً إلى قاعدة أبو ستة البحرية. لا يمكن لرجل الأعمال السابق الذي يملؤه الحزن والأسى دائماً أن يدخل المدينة إلا نادراً، لأن طرابلس لا تزال تسيطر عليها ميليشيات موالية في المقام الأول لأنفسها. وصل رئيس الوزراء إلى طرابلس بواسطة القارب، لأن الحكومة المنافسة، المتحالفة مع الجماعات الإسلامية، فرضت منطقة حظر جوي لإعاقة وصوله.

 

بما أننا لا نحصد أي فائدة من الهجرة غير الشرعية، من المفترض بنا أن نسمح للأشخاص بالمرور ينظر الضابط أشرف البدري بانفعال إلى إحدى السفن الثلاث على الرادار الذي مازال يعمل بكامل طاقته. في شهر شباط/فبراير 2011، احتج ضد القذافي في طرابلس، وتم مكافأة مهمته القتالية اللاحقة في سرت بوظيفة سهلة على ما يبدو في القوات البحرية. ولكن خلافاً لشعوره أثناء الثورة، يشعر الآن أنه يخوض معركة خاسرة. وبإصبعه على شاشة الرادار، يدّل على قوارب الصيد الإيطالية التي تحصل على الوقود من المهربين الليبيين في المياه الدولية قبالة طرابلس والقره بوللي. "يطالب الاتحاد الأوروبي بأن نوقف تدفق المهاجرين، ولكنه لا يتخذ أي إجراءات بشأن المجرمين لديه." إن المدمرات البحرية الإيطالية تبحر أربعة أميال بحرية فقط من القاطع، يقول غاضباً وهو ينقر على الشاشة.

 

ويضيف البدري "قد يشتمل التعاون على قيامنا بحماية مياه الاتحاد الأوروبي من تهريب البشر وقيام الاتحاد الأوروبي بحمايتنا من تهريب الوقود. ولكن الاتحاد الأوروبي يهتم فقط باللاجئين، وليس بمهربي البنزين والصيد غير المشروع الذي يحدث في المياه الليبية أمام أعينهم. وبما أننا لا نحصد أي فائدة من الهجرة غير الشرعية، من المفترض بنا أن نسمح للأشخاص بالمرور".


 


كما هو الحال في كل عطلة نهاية أسبوع تقريباً، تقوم دورية "الرجل الملثم" بدعوة محمد أتريكا إلى تليل. في طفولته، كان الشاطئ الرملي الممتد على طول 30 كم غرب زوارة يرمز لأيام الصيف الخالية من الهموم. ولكن مع الثورة، عاد المهربون إلى زوارة. في شهر شباط/ فبراير 2011، احتج الناس هنا أيضاً، في الغالب ضد التعريب القسري الذي مارسه نظام القذافي في مناطق البربر شمال غرب ليبيا.

 

قوارب الموت

 

لم يعد هناك الكثير من المثالية، يقول محمد، في حين يغطي قناع وجهه. ينتمي محمد إلى مجموعة من المتطوعين من الهلال الأحمر، إحدى منظمات الإغاثة الإنسانية الأخيرة المتبقية في البلاد. بعد المعارك، وعلى الشواطئ، يُطلب من رجال ونساء بثياب حمراء الحضور للاهتمام بأكوام من الجثث – هم لاجئين لم تتمكن مراكبهم الشراعية الهزيلة من قطع حتى المرحلة الأولى من عملية العبور خطيرة. ترمي الأمواج ست جثث بأطراف ملتوية مراراً وتكراراً على الشاطئ. وكان اللاجئون قد انطلقوا في الليلة السابقة. في هذا اليوم من شهر آذار/مارس، يعثر الرجال والنساء من الهلال الأحمر على 20 قتيلاً آخر. ينطلق زورق صغير من نوع معتمد لحمل 30 راكباً ولكن عادةً ما يكون على متنه أكثر من 100 شخصاً، ثم ينقلب، بحسب إفادة أحد الناجين لاحقاً.

 

عندما تغادر السفن في مجموعات من ستة إلى عشرة، عادةً ما تكون هناك إصابات، بما أنه بالكاد يتقن أي من الركاب السباحة، وغالباً ما لا تتضمن تكلفة السفر البالغة 1,000 يورو سعر سترة النجاة. ولكن كلما كانت المجموعة أكبر، كلما كان من الأسهل لدوريات حلف شمال الاطلسي العثور عليها. ويطمئن المهربون الركاب المصدومين بمنظر السفن الصغيرة بأن المدمرات البريطانية والألمانية الرمادية هي على بعد 20 دقيقة فقط.

 

نقطة اللا رجوع

 

ما أن يصبحوا على الشاطئ، لا عودة الى الوراء على الأغلب. يسمع محمد، ذو ال 26 عاماً، مراراً وتكراراً صرخات غاضبة قادمة من الشاليهات المتناثرة على الشاطئ، والتي استأجرتها الميليشيات بسعر باهظ. "تنتظر المجموعات لمدة ثلاثة أيام أو حتى أكثر في هذه المنازل، حتى تصبح إحدى السفن متوفرة للرحلة أو حتى يكون البحر هادئا. غالباً ما يكون هناك مرافقين اثنين فقط، ولكنهما مسلحين. من أجل الحفاظ على سرية مخبأهما، يقومان بمصادرة جميع الهواتف النقالة ويرفضان السماح لأي شخص بالعودة إلى طرابلس. "هكذا يشرح أحد البربر تحفظه على التعامل مع الميليشيات. قبل أسبوعين في الزاوية، في منتصف الطريق بين زوارة وطرابلس، قتل تسعة مهاجرين رمياً بالرصاص بينما كانوا يحاولون الفرار.

 

كذلك، المساعدون المتطوعون في زوارة لا يتحدثون مع المهربين أو اللاجئين ضمن نطاق سمع الجدران العالية للفيلات، خوفاً من الالتقاء بأحد الأقارب. إن زوارة هي مجتمع متماسك تحيط به بلدات عربية مثل الجميل ورقدالين، وهي مناطق حشد معمر القذافي فيها هجمات مضادة بعد ثورة عام 2011.

 

الكثيرون يستخدمون ذريعة الثقة المتزعزعة بالأقليات مثل البربر، وتآكل الدولة، للتهريب على نطاق واسع. "إذا توقفت عن القيام بذلك، فإن ذلك من شأنه ان يساعد الدولة الإسلامية في صبراتة" يقول رجل يقوم علناً بتحميل ​​برميل من البنزين في سفينة صيد في الميناء. في حين كان يسعى الموالون للقذافي في الجنوب للانتقام للجرائم التي ارتكبت خلال الثورة، أنشأت الدولة الإسلامية نفسها في صبراتة، 80 كلم شرق زوارة. لقد أصبحت تجارة البترول المدعوم من الدولة، وغيره من السلع، المصدر الرئيسي للدخل في غرب ليبيا. يعمل مهربو البشر ومهربو البترول معاً هنا. تسرّب الدولة الإسلامية المتطوعين من تونس عبر الحدود في رأس جدير إلى صبراتة. هناك اقتصاد مقايضة في جميع أنواع السلع ينمو منذ فترة طويلة في المياه الدولية قبالة شاطئ غرب ليبيا؛ إن الأشخاص المتجهين الى أوروبا ما هم سوى جزء صغير من البضائع.

 

نحن مقدمو خدمات إن الأفارقة يريدون الذهاب إلى أوروبا، ونحن لا نريدهم هنا، ونحن نقدم لهم العبور "نحن مقدمو خدمات" يقول أحمد الصبان، وهو يجلس في مطعم تركي على الطريق الرئيسي المغبر في المدينة الساحلة التي يبلغ عدد سكانها 50,000 نسمة. و "إن الأفارقة يريدون الذهاب إلى أوروبا، ونحن لا نريدهم هنا، ونحن نقدم لهم العبور".
إن سبب جلوسه في مقهى بدلاً من الشاطئ اليوم يرجع إلى وجود "الرجال الملثمين" اليوم، هذه هي التسمية التي يتم إطلاقها على مجموعة الأمن المحلية. بعد وقوع الكارثة الكبرى الأخيرة في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015، والتي أسفرت عن أكثر من 50 جثة رميت على الشاطئ، قررت المجموعة وضع حد لأعمال المهربين مثل أحمد. ويفيد هذا الأخير أن "السبب الرئيسي كان في الواقع ازدياد الإجرام، وربما أيضاً بسبب وقوف جميع الأجانب كل يوم عند التقاطعات بانتظار العمل".

 

تذبل عينا أيوب سفيان عندما يتحدث عن اللحظة التي قرر فيها هو وصديقه منير تولي القانون بنفسهما. كان الشاب القوي البنية البالغ من العمر 26 عاماً يدرك أن يوم ما سيشكل تحالف المهربين مع الإسلاميين في صبراتة المجاورة خطراً على زوارة. "أردنا اتخاذ إجراءات ضد أي نوع من الفوضى، لأننا تظاهرنا من أجل دولة دستورية، وليس من أجل التطرف والمهربين".

 

لأن الكثير من أصدقائهم فقدوا منذ فترة طويلة إيمانهم وانضموا إلى المهربين، كان عليهما أن يعملا متخفيين، "ضمن حدود ما هو ممكن في هذه المدينة حيث يرتبط الجميع تقريباً ببعضهم البعض" يقول سفيان وهو يضحك. في الليل، يقومان بتفكيك لوحات أرقام سيارتهما ويقومان بدوريات على الشواطئ والتقاطعات متخفين خلف أقنعة.

 

مهربو البشر والمتطرفون : تحالف مميت

 

يمكن رؤية الخطر الذي يهدد منطقة البحر الأبيض المتوسط ككل والمنبثق عن التعاون بين مهربي البشر والمتطرفين في حادث وقع في شهر تشرين الثاني / نوفمبر، قبل أسبوع واحد من الهجوم الانتحاري على قوات الأمن الرئاسية التونسية في وسط مدينة تونس. كانت ليلة هادئة، يفيد أحد الرجال الملثمين؛ مفضلاً عدم الكشف عن هويته؛ لفترة طويلة تساءل سكان الزوارة عما كان يحدث بالضبط في معسكر تدريبي في صبراتة. وكان كل ما يعرفونه أن الميليشيات المهربة في صبراتة اضطرت للدفع إلى الدولة الإسلامية لتأمين الوصول إلى الشاطئ.

 

في الحقيقة، شكّلَ المخيّم الواقع جنوب الأثارات الرومانية ساحة لتدريب الإنتحاريّين. محمّد، طالب يدرس الرياضيات، التحق بالمجموعة الملثّمة منذ البدء، يقول باضطراب: " حين رأيْتُ هاذين الشابَّيْن يجتازان الشارع الوحيد المؤدّي إلى الحدود، في وقت متأخّر من إحدى الليالي، عرفْتُ أنّ شيئًا ما كان يتحضّر. عندئذٍ أوقفتهما". إستدعى محمّد زملاءه الذين سرعان ما ضبطوا بحوزة التونسيَّيْن المحتجزَيْن متفجّرات و 22 هاتفًا نقّالًا. كان الشابّان اللذان يبلغان من العمر عشرين سنة يرتديان السترات المفخّخة، وقد تبيّن خلال الإستجواب أنّهما كانا في طريقهما إلى تونس. يعتقد المهرّبون الجالسون في المقهى أنّ هؤلاء الأشخاص سيتوجّهون قريبًا نحو أوروبا على متن سفن. لقد تخلّوا عن إطلاق السفن خوفًا من مجموعة الحراسة الأهلية.

 

يفيد محمد طليل بغموض أنّ عدد "السمكات الكبيرة" (كما يحلو له أن يسمّي الذين يعتقلهم) التي وقعت في شراكهم قد ارتفع إلى سبعة. عمر محمّد أيضًا بالكاد يتجاوز الخمس والثلاثين سنة، وهو يعترض على السياسة. "يتفاوض الكبار بينما يقوم الشبّان بالأعمال القذرة". وها هو قائد مجموعة الحراسة الأهلية يشرح كيف نجح رجاله في توقيف السفن من دون أيّة مساعدة أو تجهيزات حتّى من حلف شمالي الأطلسيّ. ثمّ يردّ ببسمة عريضة على فكرة تعاون الإتّحاد الأوروبي مع السلطات في طرابلس وتوقيف المهرّبين. " على الرغم من أنّنا غدونا الآن تابعين لوزارة الداخليّة، لا يزال المدّعي العامّ في طرابلس يهدّدنا بالملاحقة القضائية ما لم نترك زعماء المهرّبين".

 

مهاجرون موقوفون في مرفأ مصراتة
مهاجرون موقوفون في مرفأ مصراتة المصور: ميركو كايلبرت لمجلة زينيت

 

يُخرج من جيبه وثيقة تشير إلى تخطّيهم لاختصاصاتهم. وحين يرى الجمع الوثيقة، تتعالى أصوات الرجال الملتفّين حول طليل شاتمة لاعنة. أحدهم يرجّح أنّ إسلاميّي طرابلس يريدون استعادة أنصارهم، أو أنّ ثمّة من يريد أن يُطلَق سراح قريب من أقربائه. ثمّ يلثم وجهه كاملًا تحت قناعه الطويل ويهمس: " يدعي الإتحاد الأوروبي عودة السلام مع تشكّل حكومة الوفاق الوطنيّ، بيد أن حربّا فعليّة قد تشبُّ أوّلًا".

 

يُسمح للسجناء بقضاء ساعة واحدة يوميًّا في الفناء، بينما يحرص الحراس على المحافظة على مسافة بعد عنهم خوفًا من إنتقال الأمراض ترسو قاطرة القوات البحريّة الليبيّة، المسماة "المغرب" ككلّ صباح في مرفأ مصراتة. وجود أو عدم وجود لاجئين على متنها مرتبط بتوافر الزنزانات الشاغرة في السجن. يقول البحارون أنّهم يستطيعون أن يسوقوا ألف شخص يوميًّا. 600 شخصًا من أفريقيا الغربية أتوا هذه المرّة من خمسة زوارق مطاطية. ظن الرجال، بعد أن غادروا القره بوللي، أنّهم قد شارفوا على الوصول إلى وجهتهم: أوروبا المفتوحة الحدود أو ما يُعرف بمنطقة الشنغن. إلّا أنّ محرّكي زورقين كانا يعانيان من خلل. منذ العام الفات، يقود اللاجئون الزوارق، بعد إعدادهم من قبل المهرّبين عبر دورات مكثّفة – أتت القوات البحرية لإغاثة الزورقين المنكوبين. وفي النهاية، إنقلبت الزوارق كلّها تقريبًا. يقول قبطان المغرب ويهزّ برأسه. دفع كلّ من اللاجئين ألف يورو ثمن الرحلة الخطيرة نحو جزيرة لامبيدوزا. أنزلتهم المغرب في مصراتة قبل أن تبحر مجدّدًا نحو طرابلس. الآن، ها هم قد عادوا إلى الحرب الأهليّة، إلى القره بوللي.

 

زجّت السلطات 300 عاملًا ضيفًا ولاجئًا في سجن سابق للمنشقّين السياسيين في القره بوللي، على الطريق نحو طرابلس. تريد الحكومة في طرابلس أن تظهر أنّه بإمكانها توقيف تدفّق الناس إلى أوروبا على الرغم من خزائنها الخالية. فهي تعتمدُ على رعاية الإتحاد الأوروبي لها في معركتها ضدّ الحكومة المعترف بها دوليًّا في طبرق. يختبئ السجن في نهاية طريق فرعيّ بمحاذاة بساتين الزيتون.

 

يُسمح للسجناء بقضاء ساعة واحدة يوميًّا في الفناء، بينما يحرص الحراس على المحافظة على مسافة بعد عنهم خوفًا من إنتقال الأمراض. رجل من إريتريا يشتكي. " أنظروا إلى المراحيض، إنّها نتنة. زوجتي وابنتي هنا أيضًا. نريد الرحيل. في زنزانتنا 47 شخصًا. لديّ عمل في طرابلس. لم لا يطلقون سراحنا؟"

 

أُجبرت أنجيلا إيكن النيجيرية، تمامًا كما سائر الناس، على تسليم أموالها وجواز سفرها. " لا أقدر على تناول الطعام منذ البارحة، عندما قيّدوني لشكوى اقدمت بها. كان زوجي لا يزال يعمل في طرابلس حين أخبره الحراس بأنّه يقدر أن يأتي ويخرجني مقابل ألف دينار. فأحضر الأموال، لكنّه أوقف هو أيضًا، وها هو محتجز الآن في سجن أبو سليم".

 

لا يدري سكّان القره بوللي ماذا سيأتي لاحقاً. عقب الهجمات على الأجانب، واستدعاء السفراء من ليبيا. أمّا الترحيل فما زال يلاقي فشلًا بسبب القتال على الطريق نحو تونس. يبدو أنّ ما من مهرب من ليبيا. ولكن بفضل الأجور الجيّدة، اعتادت البلاد على استقطاب العمال الأجانب. يصرّح ممرّض من بنغلادش: " نعمل في ليبيا لإطعام عائلاتنا في وطننا. سُحبنا من منزلنا الذي نستأجره منذ أسبوع وأُسرنا هنا، من دون أيّ تعليل". ويقول أنّه ينام على حصيرة من القشّ وأغطيته تملؤها البراغيث.

 

صراع دائم على السلطة

 

لا يزال الصراع على السلطة بين الحكومتين المتبارزتين قائمًا. تعرّضت الجهود التي بذلتها جمعيّة الأمم المتّحدة كوسيط بينهما لسلسلة من الإنتقادات، وخاصّة في شرق ليبيا. تستعدّ الميليشيات في قسمي البلاد لخوض معركة ضدّ الدولة الإسلامية في مدينة سرت، مسقط رأس القذافي. بالنسبة إليهم، اللاجئون ليسوا سوى مجرّد عائق. ينطلق كلّ يوم المزيد من مهرّبي البشر من شواطئ المدينة، وقلّ ما يتواجد ليبيّون على متن السفن. لم تأثر عمليات الميليشيات على موجة النزوح نحو البحر الأبيض المتوسّط – بل على العكس.

 

الكراريم مدرسة قديمة تقع في ضواحي مدينة مصراتة. ظلّ تلاميذ هذه مدينة مصراته التجارية ومدينة تاورغاء المجاورة يرتادونها حتى سنة 2011. ولكن مذ ان نجح القذافي في إقناع سكّان مدينة تاورغاء ذوي البشرة الداكنة والمتحدّرين من عبيد أفريقيين بالقتال ضدّ الثوار المتمرّدين، أصبحت البشرة الداكنة مرادفاً للولاء للنظام القديم – وعقب موت القذافي في شهر أيلول/سبتمبر 2011، هُدمت مدينة تاورغاء تماماً.

 

مهاجرون أو سجناء

 

وقد حاول رجال محمد خليل على مدى ثلاث سنوات أن يحدّوا من تدفق المهاجرين مدرسة الكراريم اصبحت سجن للمهاجرين غير الشرعيين. 1,100 شخص مسجونون في ثمانية غرف كانت مستخدمة كصفوف دراسية. على غرار الكراريم، سجون ليبيا الثمانية الأخرى الواقعة على سواحل المتوسّط تعجّ بالأسرى لدرجة الإنفجار. فينتشر الجرب والإلتهاب الكبدي وغيرهما من الأمراض بسهولة، كما ان الإمدادات الطبّيّة شبه معدومة.

 

يدافع خليل ويقول: "ليس لدينا غير أنفسنا لنتكل عليه ". وهو بالكاد يكبر سجناءه سنًّا. بشأن تقارير الأفريقيين عن الضرب والتعذيب التي يعتبرها مفتقدة لأيّ أساس يقول وهو متشبّث بفكرته، "معاقبة بعض المجرمين" لازمة من حين إلى آخر، إلّا أنّ هذه ليست العادة. عشرة من الثوار السابقين يتقاضون مبلغ 300 يورو للمداومة في أعمال الحراسة. عدد منهم بات يفكّر بالتوجّه إلى أوروبا على متن السفن – يمكنكم أن تشاهدوا الإحباط يملأ وجوههم. ممثلي السفارة السودانية هم الوحيدين الذين يزورون السجن بين الحين والآخر، لأن حاملي الجنسيات الأخرى لا يمكن ترحيلهم.

 

لا أملك شيئًا هناك. لا عمل ولا عائلة، في بلادي المسيطر هو داء الإيبولا وعصابات الشوارع يتمّ جلب دفعات جديدة من السجناء يوميًّا. منهم من يتم العثور عليهم تحت القماش المشمّع على عربات البقالة، وآخرون يوقفون في منازلهم التي استأجروها في طرابلس. يفيد بيتر أوينز، وهو نيجيريّ يبلغ من العمر 18 سنة، بأنّه أُخِذ مع أخيه عند الساعة الثانية فجرًا. وقد تمّ نقله دون سابق إنذار من الكراريم إلى السجن الصغير في القره بوللي. تم فصله الآن عن أخيه، وقد جرّدهما الحراس من هاتفيهما النقّالين. "هذا جحيم على الأرض. في الكراريم كنت أستطيع أن أتنشّق هواء البحر".

 

يتذرّع خليل معلّلًا النقل الفجائي للسجناء: " الكراريم مكتظّ، نعاني من مشاكل في إمدادات المياه ومن الإحتجاجات الصغيرة". يشارك بيتر زنزانته الواقعة في السجن السريّ السابق لشرطة القذافي مع 60 مسجون سيّئ الحظّ. يُسمح لهم بالخروج إلى الفناء مرّة في النهار، ويبقى هذا أفضل من داخل المدرسة حيث لا يُسمح لأكثر من مئة شخص بالخروج من "الصفّ" المخصّص لهم. وبالإضافة إلى الجروح المفتوحة والإلتهابات، السجناء يقلقون بشأن المصير الغير واضح، حيث انهم لا يريدون العودة إلى اوطانهم. "لا أملك شيئًا هناك. لا عمل. لا عائلة " يقول رجل هزيل من نيجيريا، "في بلادي المسيطر هو داء الإيبولا وعصابات الشوارع".

 

يسمح حرّاس سجن القره بوللي بزيارات الصحافيين لأنّ السلطات في طرابلس تريد ذلك. مشاهد المعاناة تقدّم الأمل والإنذار في الوقت عينه. يقول مدير السجن ضاحكًا: " إنضمّ للعمل معنا أو نطلق سراحهم جميعًا". ممّا لا شكّ فيه أنّه لا يبالي أبدًا بمصير هؤلاء الأفريقيين الوافدين من ثمانية بلاد مختلفة والمسجونين هناك. "ما يهمّني هو تنظيم داعش والعماد حفتر في بنغازي. لا أعتبر أبدًا هؤلاء الأشخاص من ضمن الأمور التي تهمّني".

 

يبقى من غير الواضح ما إذا كان الحرّاس يفتحون أحيانًا البوّابات كي يفسحوا مجالًا للقادمين الجدد. يقول أحد السجناء بأنّه قد يفعل أيّ شيء من أجل إخلاء سبيله. يُطلب من الزائرين مغادرة مجمّع الأسلاك الشائكة بعد حديث مع السجناء لا يتخطّى الدقائق العشرة. يحمل بيده وعاء فيه الأرزّ ويقول: "هذه حصّتنا اليوميّة". فيصوّب حارس ليبيّ إليه نظرة صارمة. عليك توخّي الحذر، فبعض السجناء يمارسون السحر الأسود. لذلك لا يُسمح لهم بعد الآن بالخروج من زنزاناتهم. "سبق واختفوا أحيانًا في اليوم التالي". يشير بيده إلى الشاطئ بينما تعابير وجهه تخالف ما يقوله عدد من الليبيّين علنًا. في وطن يعاني الحرب، ومع 400,000 مهاجر داخليّ، يفرح الناسُ بكلّ سفينة تُقِلّ المهاجرين إلى أوروبا.

 


هذا المقال نشر أول مرة بالألمانية في نسخة زينيت ٢/٢٠١٦

 

عن: 
ميركو كايلبيرت