الزمن اللازم للقراءة: 5 دقيقة
اللاجئيين و سوق العمل

صانع الصابون الحلبي

مقالة خاصة
احمد و عائلته, كان يدير معمل صابون في حلب و لكنه يعاني في الأردن
احمد و عائلته, كان يدير معمل صابون في حلب و لكنه يعاني في الأردن المصور: ماركوس راينلاندر

بينما يفر السوريون إلى الأردن أو الى الدول المجاورة حيث يجدون ملجئ يبعدهم عن ويلات الحرب، تواجههم صعوبات في الحصول على عمل أو بدء مشاريعهم الخاصة، وهو ما يدفعهم إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

يقف أحمد القصّار مستمتعا بعدم انخراطه في حشود المتدافعين من حوله. يجلس هذا الأب البالغ من العمر 53 عاما، في أحد المقاعد الفارغة في غرفة انتظار مركز اجتماعي للاجئين السوريين في عمان. وبينما تظهر على وجوه 150 شخصا من اللاجئين مثله، حالة من التوتر الواضح، ينتظر القصّار بهدوء موعده مع المختص في منظمة "كير" الدولية، وهي منظمة إنسانية تعمل في الأردن وتقدم مساعدات مالية وفرص سكن للسوريين.  لم يكن هذا ما يطمح اليه أحمد قصّار، فقبل الحرب في سوريا، كان رجل أعمال ناجح، مختصا بصناعة الصابون في حلب وتصديره لجميع أنحاء العالم. واليوم أصبح مصنعه وبيته مجرد حطام.

 

إنه شي مريح أن لا يعيش المرء وحيدا مع مشاكلهالذكريات السعيدة ومصنع الصابون في حلب

 

"إنه شي مريح أن لا يعيش المرء وحيدا مع مشاكله"، يحدثنا أحمد وهو في طريق عودته إلى شقته في عمان، شقة بغرفتين تسكنها أسرته المكونة من خمسة أفراد يعيشون فيها منذ عام ولا يعلمون لكم من الوقت سوف يبقون فيها، خاصة أنهم أنفقوا كل مدخراتهم في فترة وجيزة. وهذا واقع الكثير من السوريين الذين غادروا بلادهم نحو المملكة الأردنية الهاشمية. ومع ذلك، فإن أحمد غير مستعد ليستسلم لليأس: "لقد كانت لي خبرة كبيرة في إنشاء المؤسسات التجارية، كتاجر مستقل. وفي عام 2010، أنتجنا 15 طنا من الصابون العضوي النقي، وقمنا بتصديره إلى جميع أنحاء العالم".

 

لأكثر من 10 سنوات، استطاع أحمد أن يدير مصنع صابون في حلب ويوظف 20 عاملا من دون حاجة الى أي قرض أو أي ارتباط مع النظام الحاكم. "لقد قمت كذلك بتصدير منتجاتي الى المانيا، فصابون حلب الطبيعي والشامبو من دون أي إضافات، معروفان جيدا في جميع أنحاء العالم".

 

لم تخطر أبدا ببال أحمد فكرة الفرار، حتى عندما وصلت الحرب الى حلب واشتعل متجره في المدينة القديمة. " أمضيت سنين من العمل، لأبني بيتي المكون من أربعة طوابق وأفتح مصنعي وأشتري مزرعة صغيرة خارج مدينة حلب. وكل ما دار في بالي وفي بال عمالي، هو كيفية إعادة بناء المصنع وإصلاح الأضرار التي لحقت به عندما تنتهي الحرب".

 

بداية الحرب واستبداد الميليشيات

 

ثم في أوائل 2015، استحوذت احدى المليشيات على منزل شاغر لأحد الجيران الذي فرّ لأنه أشيع عنه أنه كان يعمل مع نظام الأسد. لاحظ أحمد على الفور أن وجود الرجال الملتحين كان خطرا، فخطواتهم كانت مليئة بالحقد ولم يكن هناك أي علامة على وجود هيكل قيادة منظم. ومع ذلك، فقد استمر أحمد في إنتاج الصابون على بعد بضع مئات من الأمتار خارج المدينة، حتى وان كان النزاع على مشارف حلب، قد بدأ بتضيق الخناق عليه وعلى العاملين في المصنع. " كانت هناك حاجة كبيرة للصابون"، يقول لنا أحمد، مضيفا أنه لم يساند أي طرف من أطراف الحرب الأهلية.

 

صورة لوحة مصنوعة من الصابون الذي كان ينتجه احمد
كانت مهمتنا الشخصية هي أن نواصل العمل، لأن هذه كانت طريقتنا لإظهار مقاومتنا منذ بداية الحرب المصور: ماركوس راينلاندر

 

تجاهل العمال دعوة الجماعة المتمردة لإضراب عام على مستوى المدينة ضد الحكومة. "كان هناك القليل من الأشياء التي لا تزال تُنتج في حلب. وكانت مهمتنا الشخصية هي أن نواصل العمل، لأن هذه كانت طريقتنا لإظهار مقاومتنا منذ بداية الحرب".

 

بعض القادة الذين كانوا في المنزل الذي وقع الاستحواذ عليه، قاموا باتهام أحمد بكونه زعيم معارضي الإضراب وبالتالي متعاون مع النظام. في نفس الليلة، التي تلقى فيها أفراد عائلة أحمد تهديدا بالقتل، هربوا إلى عمان باستخدام مسارات خفية، حيث قاموا بدفع أموال لإنقاذ ارواحهم لسبع حواجز تفتيش مختلفة.

 

بعد أن ساعده بعض الأصدقاء على العثور على شقة في الجزء الشرقي من عمان، بدأ أحمد بالبحث عن شريك تجاري لتوزيع وصفة الصابون. "لقد قمت بتطوير خليط خاص من الأعشاب والزيوت التي يمكن تحضيرها لمقاومة الحساسية ومكافحة البكتيريا"، يقول أحمد. لكن كمواطن سوري، يجب عليه الدخول في شراكة مع شخص أردني لكي يتجنب تطبيق الاجراءات الخاصة ببدء نشاط تجاري في الأردن، لكن شركاء التوزيع الأردنيين رفضوا العمل معه لأن المكونات الطبيعية للخليط جعلت منه بضاعة مكلفة للغاية للسوق الأردنية.

 

صعوبة الحصول على عمل

 

بالعودة إلى شقة أحمد، تقول مريم قصّار أن العائلة لن تكون قادرة على العيش لأكثر من ستة أشهر بالاعتماد على أموال المساعدات المقدمة من منظمة "كير". "كنا نعيش حياة جيدة قبل الحرب، فمعايير المعيشة في حلب كانت أعلى بكثير من المعايير في عمان."

 

عائلة قصّار ليست وحدها في هذا الوضع، فهناك أكثر من 600،000 سوري  في عمان مسجلين رسميا كلاجئين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في حين قد يصل العدد الحقيقي لهم إلى 1.5 مليون شخص. وبالنسبة للكثيرين منهم، فإن الحصول على عمل يعتبر أمرا صعبا. لم يكن السوريون قادرين على العمل في معظم الوظائف، لكن مؤخرا اصبح هناك وظائف متوفرة لهم في الزراعة والبناء والصناعات التحويلية، كجزء من اتفاق بين الأردن والمجتمع الدولي. أما أولئك الذين يعملون بشكل غير قانوني، فيتم أخذهم، إذا ما تم القبض عليهم، لأحد المخيمات مثل مخيم الزعتري أو الأزرق، وفي بعض الأحوال يواجهون خطر الترحيل إلى سوريا. وهذا شكّل أحد أسباب ارتفاع نسبة عمالة الأطفال في صفوف السكان السوريين في الأردن ولبنان، اذ انه من غير المحتمل الاشتباه بهم أو ترحيلهم.

 

كذلك يواجه أصحاب الأعمال صعوبات في الدخول الى اقتصاد الأردن الصغير والغير ديناميكي، فمن جهة، هامش الربح للكثير من المنتجات الزراعية السورية التقليدية ليس عاليا بما فيه الكفاية، ومن جهة أخرى، هناك خلل ناجم عن الشريك المحلي الذي يحتل مركزا مهيمنا.

 

في لبنان وتركيا والأردن،لا يملك شخص مثلي أية فرصة ليعيش حياة كريمة في انتظار نهاية الحربمستقبل مجهول..

 

فرّت ابنة أحمد إلى ألمانيا مع صديقها قبل أكثر من عام، وذلك باستخدام طريق البلقان التي كانت لا تزال مفتوحة في تلك المرحلة. كانا شابين  في منتصف العشرينات من العمر، واستطاعا العثور على شقة بالقرب من هامبورغ. تتحدث سيلين قصّار اللغة الألمانية بشكل جيد وبدأت في تلقي دروس في العزف على آلة الكمان مرة أخرى، تماما كما فعلت في حلب في السابق.

 

"في لبنان وتركيا والأردن،لا يملك شخص مثلي أية فرصة ليعيش حياة كريمة في انتظار نهاية الحرب"، يؤكد أحمد ، مضيفا "لا أريد أية صدقات، كل ما أريده هو فرصة لبناء الشركة مرة أخرى". هل سيكون ذلك ممكنا يوما ما في حلب؟ يهُزّ أحمد كتفيه، لم يجرؤ على التفكير بهذا السؤال في السابق.

 

في طريقنا الى عمان، يحدثنا باستمرار عن الحياة الجيدة التي كان يعيشها مع أسرته في حلب قبل الحرب، ويبدو هو نفسه مصدوما من كلماته: "في شارعي هناك الآن أربع ميليشيات مختلفة. كما أن مصنعي وبيتي هدما خلال الغارات الجوية ولا أعرف إذا كان هناك مستقبل لي هناك".
قبل أن يتم استدعاءه من قبل مختص في منظمة كير، يهتز هاتفه المحمول. تظهر رسالة الوتساب، وتحت صورة ابنته تظهر الرسالة قائلةً: "بابا، متى سوف تعود إلى المنزل؟"

عن: 
ميركو كايلبيرت